أزعم أنني وغيري من أبناء الحركة الإسلامية -خصوصا- بالإضافة لقطاعات كبيرة من المُسَيَّسِين والمجتمع كان يغلب علينا الظن بأن الأيام التي ستلي رحيل مبارك ستكون أيام الحركة الإسلامية، وستحظى بأزهى أيامها على الإطلاق، إلا أن الظن الذي كان إلى اليقين أقرب جنح إلى الشك، وبدأت أبعاد صورة التماسك والانطلاق تخفت شيئا فشيئا، الأمر الذي وضعني أنا -على الأقل- بمعرض حالة ضبابية تحتاج إلى استيضاح واستيثاق.
أزمة الحركة الإسلامية -في وقتها الحالي- تتلخص -فيما أرى- في ثلاث نقاط: طبيعة الإدارة، ترشح الدكتور أبو الفتوح، التصريحات وهي عرض للمرض الفكري والسياسي.
1- إدارة الحركة الإسلامية في أغلب طوائفها التنظيمية من الجهاديين إلى السياسيين تربت تربية حادة الطباع نظرا لقسوة المحن التي تعرضت لها، ولا أحسب أن هناك من نجى من الانطباعات والتأثيرات التربوية للمحن سوى جماعة التبليغ نظرا لبعدها عن الانخراط السياسي شبه التام وحزب الوسط، إلا أن نجاة الأخير قابلتها خطيئة الاتهام والصدام الحاد المبالغ فيه لأغلب الفصائل المُنْضوِيةِ تحت راية الفكر الإسلامي، فهولاء أثَّرَت فيهم المحن وهؤلاء أثَّر الصدام فيهم.
أزمة التربية التي ارتبطت بالمحن أنها تجعل لصاحبها نظرة شديدة الحساسية للجانب الأمني واهتمام بارز بصلابة التنظيم، وجعل الخروج عن هذه الأدبيات الصارمة بمثابة عملية تدميرية لكيان مُحارَب أصلا -هذا على الإطلاق-، فإذا ما انضاف لطبيعة هذا الكيان التأثير الديني في تكوينه – أيُّ دين- أصبح الهجوم على التنظيم هجوم على الدين في ظن العديد من أفراده والأهم قيادته، الأمر الذي يجعل التترس أشد من ذي قبل، مما يُصعِّب مهمة عمليتي التجديد والإصلاح اللذان يعدان لب الوجود والإنشاء التنظيمي، وكذلك يجعل من فكر الحركة فكرا مستقى من كتابات وضعت في السجون والمحن -على مدار التاريخ الإسلامي لا الحديث فحسب- ولا أجد تشبيها أصوب مما ذكره المستشار البشري عن طبيعة التكوين الفكري للحركة الإسلامية إذ قال أنه “فكر تراصت لبناته على خط النار وتحت قصف المدافع والخصوم” تلك الصورة تجعل الفكر كلما أراد القيام والنهوض، أثَّرَ تشوه ضربة مدفع فيه فأهاض أو جرح ركنا منه، إلى أن تراصت لبنات الفكر للحركة الإسلامية المصرية ما بين ركن مهيض وآخر ضعيف وثالث متماسك يَئِن من شدة الحِمْلِ حتى أوشك على الفناء.
الشق الثاني مرتبط بالتكوين الاجتماعي السلوكي: فبعض الشخصيات بطبيعتها تجنح إلى تلك الصورة الأمنية في التعامل وتتلذذ كلما وجدت نجاحا، والداء عضال عند أغلب المجتمعات التي تربت في ظل الديكتاتورية الشديدة، لا ينجو منه في كل المجتمع إلا من رحم الله، فيبدأ المرء بالاحتياط فإذا ما نجح في خديعة القوة المواجهة له استشعر لذة ومتعة يدفعانه لغيرها حتى تصبح المراوغة طبعا وخلقا وسلوكا أصيلا فيه.
تلك الحالة بطبيعتها ليست قدحا ولا اتهاما بكون ذاك المرء مخادعا، بل هي لا تعدو كونها توصيفا لحالة طبيعية نشأت في مناخ غير طبيعي، ويصبح من الصعب الخروج من إطارها، فكل متحدٍ للنظام سواء كان مناضلا سياسيا أو شقيا، تجده يقص بكل فخر كيف راوغ وماذا يعد للمراوغة التالية، وكما أسلفت هذا طبيعي -عند المناضل طبعا-، إلا أن مكمن الخطورة في عدم القدرة على المداواة بعد زوال السبب الدافع لتلك الحالة، الأمر الذي يحتاج لوقت، وإمكانية الشفاء اللحظي غير واردة، فلا ينبغي أن يؤخذ ذلك التصنيف ليُحمل على سبيل الذم والقدح.
وللحديث بقية إن شاء الله.