خد حقك

12/05/2011

مؤتمر مصر الأول

Filed under: تدويناتي — شريف أيمن @ 16:27

حضرت يوم السبت الماضي 7/5 ما سُمي “بمؤتمر مصر الأول” والحق أن لي ملاحظتين إحداهما متعلقة بالمؤتمر نفسه، والأخرى متعلقة بأغلبية المشاركين لا كلهم بطبيعة الحال.

أما ما يتعلق بالمؤتمر فلا أرى جواز تسميته بمؤتمر مصر الأول بل الأرجى أن يُسمى “مؤتمر العَلمانيين الأول”، فالمؤتمر كان لمواجهة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي بمصر على تعدد مستويات الفكر والحركة فيه، وعندي ثلاثة شواهد على كلامي.

الأول ما قاله السيد جمال أسعد عبد الملاك في تقرير لإحدى القنوات: “هناك استقطاب بين ما هو مدني وما هو ديني أيا كانت المسميات فهناك تيار يسعى إلى الدولة المدنية بمرجعية دينية وتيار يسعى للدولة المدنية وأعتقد أن هذا المؤتمر الهدف الأساسي والاستراتيجي له هو تجميع القوى الداعية إلى الدولة المدنية دون مرجعية دينية”.

و بداية أضع ملاحظة للاسترشاد: أنه لا يوجد لفظ “دولة مدنية” في الاصطلاح السياسي، بل نظام حكم مدني “أي يكون الحكام شخصيات مدنية” يقف مقابلا لنظام الحكم العسكري.

الثاني: التغطية الصحفية للــ بي بي سي عندما عنونت تغطيتها للمؤتمر “قبل بدئه” مما يوحي بتسريب أحد المنظمين أو القريبين من المؤتمر لطبيعته: “القوى الديموقراطية تستعد لمواجهة الإخوان المسلمين في الانتخابات”، ولا يخفى في العنوان تحيزه لطرف ووضع حكم على آخر مما يفتقد للمهنية وضرورة الحيدة الإعلامية، فتم استبعاد الإخوان من توصيف الديموقراطية وإثباته للأُخر، ثم ذكرت في إحدى الفقرات قولها: “ويقول هؤلاء الناشطون إن خوفهم الكبير ينبع من أن حركة الإخوان المسلمين ستهيمن على الانتخابات المقبلة، وذلك لأنه لم يتم بعد تأسيس أي حزب “علماني” بديل ليحل محل الحزب الوطني السابق الذي كان يحكم البلاد خلال عهد مبارك وتم حظره مؤخرا، وسيناقش المشتركون في الاجتماع خوض الانتخابات المقبلة بلائحة انتخابية موحَّدة، وعلى أساس إدخال إصلاحات أعمق على الدستور”.

ثم ذكرت في أخرى: “وكانت قد جرت في السابق محاولات لتوحيد المجموعات العلمانية المختلفة في البلاد في بوتقة واحدة، إلا أنه لم يتم إحراز أي تقدم يُذكر في هذا المجال”.

الثالث تغطية الأهرام يوم الأحد 8/5 على ما يقارب الصفحة وكان أحد العناوين: “قائمة انتخابية موحدة تجمع قوى الثورة لمواجهة الإخوان المسلمين وفلول الوطني” ومما يلاحظ في العنوان استبعاد الإخوان من قوى الثورة رغم ما يعلمه القاصي والداني عن دورهم، وكذلك وضعهم في إطار واحد مع فلول الحزب الوطني وتلك لا تستحق المناقشة.

الملاحظ من خلفية هذا المؤتمر أنه كان عَلمانيًا قُحًا، وتلك الشواهد تؤكد هذا الطرح رغم دعوة الإخوان لحضور المؤتمر ودعوة د. ناجح إبراهيم وبعض رموز الأزهر والصوفية إلا أن هذا -فيما أرى- كان من قبيل التجميل الذي يناسب لافتة مؤتمر واسمه، الذي أزعم أنه على غير الحقيقة.

أما ما يتعلق بالحضور فلم يختلف الأمر بالنسبة لهم، فالهجوم على الإسلاميين كان صك الإعجاب للمتحدثين، والحديث عن المادة الثانية حمل درجات عدة من التعامل معها، فما بين دعوة لإلغائها وأخرى لإبقائها مع بعض التعديلات التي يزعم صاحبها أنها هامة وهي في الحقيقة تفريغ من المضمون، وهذا الالتفاف أحسبه خوفا من النبذ المجتمعي لصاحب تلك الدعوة، إذا ما كانت واضحة وصريحة.

وهناك ما يتعلق بلغة الحوار في المؤتمر، فكل متحدث إذا ذكر شيئا يخالف رأي شخص أو مجموعة حدث اعتراض فج ومناف للّياقة والذوق عليه وأحيانا هتاف ليتوقف عن الكلام والنزول، وصرت والله أستحي من هذا المشهد أثناء نقله للطيبين من أهل مصر إذا دار بخلدهم أنهم قاموا بثورة ليتسلمها أهل لا يقدرون على التفاهم بينهم فكيف بالاستماع لمطالبهم هم؟ وكيف إذا اعترضوا على قراراتهم؟ وكذلك ما كان سيشاهده المتابع للمؤتمر من غير المصريين على شاشات التلفاز، الأمر الذي قد يجعله يغير صورته الذهنية ونظرته للثورة المصرية العظيمة.

البارز من الخطاب العلماني بالمؤتمر أو خطاب أغلب مجموعة ما يُسَمّون بالنخب التي اجتمعت في هذا المؤتمر، أنهم أبعد ما يكونون عن الاتصال بالشارع والأهم الاتساق مع أنفسهم وضمائرهم، فالشارع الذي اختار بنسبة 77% أن يكون الدستور باختيار أعضاء مجلس الشعب بعد انتخابه، يقف التيار الذي يزعم أنه حامي ووكيل الديموقراطية في بلادنا ليعارض ممارسته الديموقراطية النزيهة في الاستفتاء ويصر على خلاف الاختيار الشعبي.

ولتَفَهُّم دوافع هذا الموقف أسوق أمرين لأُدلل على مُرادي:

  • كتاب دور جماعات الضغط بأمريكا حلل كيفية اتخاذ القرار الأمريكي بأن هناك ما يقرب من 5 آلاف إلى 10 آلاف فرد بالمراكز البحثية يحددون سياسة الدولة، ولاحظ أن تعداد السكان جاوز 300 مليونا، فالمراكز البحثية تتحرك لدراسة القرار ثم تبدأ بتوجيه الآلة الإعلامية لتهيئة الرأي العام له ثم يصدر القرار.

ولما قام بتحليل العملية الانتخابية البرلمانية أعطى مثالا أن بين كل 100 أمريكي هناك 70 منهم لهم حق الانتخاب، والمسجلون بالجداول الانتخابية 60% ممن لهم حق الانتخاب أي 42 فردا أما من يشارك فعليا من هؤلاء المسجلين 50% أي 21 فردا وما يحتاجه النائب ليفوز 50% + 1 أي أنه يحتاج لــ 11 شخصا فقط من بين كل 100 أمريكي وخَلص التحليل إلى أن هذا الوضع رائع لأي نائب لقلة الجهد المبذول.

  • الأمر الثاني -وكنت قررت من قبل ألا أناقشه ولكن الظرف الواقع غلب سَبْقَ القرار- متعلق بقضية الاستفتاء وهو قريب من سابقه، فالصراع الذي حدث في قضية الاستفتاء كان مستغربا لطبيعة الحدث الذي لن يكون مؤثرا تأثيرا حقيقيا على استمرارية نجاحات الثورة، إلا أن حدة الاستقطاب كانت غير متناسبة مع طبيعته، الأمر الذي يوحي بوجود أسباب غير تلك التي برزت.

تقديري أن الاستقطاب كان بين استدعاء النموذج الأمريكي في كيفية صناعة القرار عن طريق النخب مرورا بالإعلام انتهاء بالضغط على صانع القرار، وبين نموذج يجعل صناعة القرار عن طريق المجتمع لا نخبه ولا إعلامه ابتداء، بل أن يضغطا وفقا لدراسة ميول الشارع.

تلك هي أزمة العلمانيين اليوم، والمثال المطروح لبيان القصد: أنهم رغم انتهاء قضية الاستفتاء وحسم مسألة وضع الدستور إلا أنهم يصرون على استباق لجنة صياغته على وجود البرلمان، وفي تلك الحالة يسهل الضغط على تلك اللجنة غير المنتخبة من الشارع فيتشكل الدستور وفق رؤيتهم، وتلك الرؤية لها محددات مخيفة نقلتها الأهرام في تغطية المؤتمر فيما سُمي بوثيقة إعلان مبادئ الدستور القادم ومما جاء فيها:

  • “بناء مصر جمهورية ديمقراطية مدنية حديثة تعمل على تحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية للمواطنين وهي جزء من الأمة العربية تسعى لوحدتها الشاملة”.

وفي تقديري استدعاء لفظ المدنية غير مبرر، إذ أنه لا طرح لوجود نظام عسكري لحكم البلاد بل المطروح إسلاميون قد يحكمون البلاد، ولا قائل منهم بأنه يحكم باسم الله وأنه يحتكر الحق الإلهي بل يجتهد فيصيب أو يخطئ، وليحاسبه المجتمع بناء على تقييمه لما يراه من تصرفات حاكمه، فإذا كان لفظ المدنية لا يستدعي في الأذهان منافاة الحكم العسكري أو الثيوقراطي فلا يبقى له سوى معنى العَلماني.

  • ثاني ما أنقله عن الوثيقة ” تحديد الآليات الضامنة لحماية الدولة المدنية (الجيش, وحق الأحزاب والهيئات والمجتمع المدني في اللجوء للمحكمة الدستورية العليا)”.

وتلك الصورة أحط ما في الممارسة السياسية، إذ أن السياسي الذي يفشل في إقناع المجتمع بفكرته يحتاج إلى فرضها عليه بقوة الجيش، لنخرج من ديكتاتورية إلى أبشع، ومن حاكم مستبد إلى آخر أشد استبدادا، حتى النظام السابق لم يكن ليقدر على وضع نص كهذا في الدستور، ولكن عَلمانيونا أشد استبدادا من مبارك وأميل للنظام الأتاتوركي من الأتراك الذين نبذوه.

  • الثالثة والأخيرة ” تحديد آلية تعديل الدستور مع وضع الضمانات للمبادئ فوق الدستورية (النظام الجمهوري – مدنية الدولة ـ تداول السلطة)”.

فإذا ما أراد المجتمع أي تعديل للدستور فلا ينبغي له أن يمس مدنية “عَلمنة” الدولة.

كل ما سبق وغيره مما شملته الوثيقة -وبعضه يستحق الاهتمام فعلا- قد يسهل حدوثه إذا ما تم تشكيل لجنة معينة، أما في حالة انتخاب البرلمان واختياره لتلك اللجنة ستكون معبرة عن إرادة البرلمان الذي يعبر عن الأمة، ولن يقدر كائنا من كان أن يضغط عليها لاستمدادها شرعيتها من الشارع.

تلك الحالة الأمريكية المُستدعاة لإدارة مصر إذا نجحت في مسألة الدستور أو غيره سيسهل تعميمها فيما بعد، ولهذا يستمر الضغط اتجاهها، وسنستمر في الدفع بعكسها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريف أيمن

12/5

تعليقات »

  1. أخي الحبيب شريف
    جزاك الله خيرا على هذا المقال الجميل الرائع والتحليل البسيط الممتع

    فعلاً ما يحدث من هذه التجمعات التي تسمي نفسها بالنخبة السياسية يعتبر اجباراً ووصاية على شعب عظيم قوامه تخطى 85 مليون
    يريدون ان يقولوا للشعب لقد أخطأتم حينما قلتم نعم وسنصحح هذا الخطأ, اعتقد لو ان النتيجة كانت “لا” كنا سنرى مهازل من نوع ممنوع الاقتراب من اي مشروع للدستور غير ما اقرته التعديلا فقد قال الشعب كلمته والمخالفين لها يتواروا
    نموذج مؤتمر ما يسمى “مؤتمر مصر الأول” سبيه إلى حد بعيد بما نظمته المصري اليوم قبيل التعديلات وأطلقت عليه “مؤتمر مصر بكره….دستور بلدنا” نفس الاستقطاب ونفس المنهجية في الطرح ونفس الهيمنة على الراي وتجميع ذوي الرأي الواحد لمحاولة صنع الرأي العام بمزاجهم ومهاجمة من يحاول البوح براي مخالف لهذا التوجه ويمكن الرجوع لموقف الاستاذ عصام سلطان في المؤتمر
    ع العموم لازم التصدي لهذه الموجه لأن هؤلاء لديهم أداة اعلامية رهيبة تبيض وجوههم وتبشر لأراءهم ومنهجهم لمصر التي يريدونها هم وليس المصر التي يريدها كل المصريين معاً

    تعليق بواسطة هاني حجاج — 12/05/2011 @ 16:58 | رد

  2. يا هندسة ربنا يبارك فيك وفي دفعك المعنوي وإن شاء الله هنفضل نقاوم التغريب ده

    تعليق بواسطة شريف أيمن — 12/05/2011 @ 18:14 | رد

  3. السلام عليكم
    كيف حالك أخي العزيز شريف
    مقالك جيد وقد تم نشرة في موقع جريدة الشعب الالكترونية على هذا الرابط: http://elshaab.org/thread.php?ID=1147

    تعليق بواسطة ضياء الصاوي — 13/05/2011 @ 20:40 | رد

    • جزاك الله خيرا وبجد ليك وحشة يا ضياء

      تعليق بواسطة شريف أيمن — 13/05/2011 @ 20:57 | رد

  4. أضحك الله سنك أضحكتني بالفعل فجيد أن يستعمل كوادر الاخوان خطاب مبارك القديم المتهالك هذا بالفعل مطمئن جدا

    تعليق بواسطة alanany — 14/05/2011 @ 12:17 | رد

    • شرف لي أن تزور مدونتي وتزيد سعادتي بإضحاكك وأرجو أن تلاحظ سيدي أنني شاب حَدَث لا يُعد عضوا بالإخوان بعد

      تعليق بواسطة شريف أيمن — 14/05/2011 @ 15:37 | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Theme: Rubric. المدونة لدى WordPress.com.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.