هذه الورقة كنت قد قدمتها لمؤتمر شباب الإخوان الأول الذي سينعقد بعد يومين -بإذن الله- وأردت طرحها لفتح النقاش حول هذه العلاقة:
لطالما كانت الدعوات تطالب الجماعة بالتقدم لإنشاء حزب سياسي، له برنامج وملمح واضحيْن يمكن على أساسهما تقييم أداء الجماعة السياسي ومحاسبتها على قراراتها ومواقفها، وكان رد الجماعة بعد تجربة الوسط: “لن يتم التقدم بطلب لإنشاء حزب في ظل وجود لجنة الأحزاب”، وكان الرد وجيها لدى قطاعات عدة من النخبة وأفراد الجماعة، حتى عندما كانت الضغوط تشتد على الجماعة لتقدم بالطلب كان الدافع وراءها الإحراج السياسي للنظام لا استشعار الأمل في الموافقة، وعلى هذا استقر الأمر في العَقد والنصف الأخير، ولكن بعد ثورة يناير اختلف الواقع بما لايسمح بإبقاء حالة الجماعة على ما كانت عليه.
أصبحت الجماعة عقب تحقيق الهدف الأبرز من الثورة مطالبة بالاندماج في الحياة السياسية بكيان سياسي واضح -بحزب بمعنى أدق- ودار الجدل عن جزئيتين:
تكييف وضع الجماعة قانونيا.
علاقة الجماعة بالحزب.
والأولى ليست محل هذه الورقة إذ أن الاتجاه والقصد لمناقشة الثانية وسبر غورها ما استطعت إلى ذلك سبيلا، والقصد ليس القدح أو الذم في ما توصلت إليه قيادة الجماعة -وهذا الأمر نضعه تصديرا لهذه الورقة وبين يدي قاريها حتى نقطع الطريق على هذا الذي أراد التعبير عن غضب نفسه فتجاوز وأساء وإن أصاب القصد في رؤيته فقد أخطأ في عرضه لمسألته، وكذلك حتى لا تتلقفها صدور القادة باعتبار أن حدة اللفظ وشدة الخلاف رغبة في الثورة من أجل الثورة عليهم، وهذا أكثر ما يكون مجافاة لجنب غاية المحبين الناصحين الوجلين- بل القصد النصح والرغبة في بلوغ الشكل الأمثل لما نعتبر أنفسنا شركاء في تحديد شكله ومصيره.
الجماعة -فيما أحسب- أمام ثلاثة خيارات:
1- أن تنشأ حزبا سياسيا تابعا لها إداريا ليكون معبرا عن إرادتها السياسية وهو ما نفته الجماعة.
2- أن تنشأ حزبا سياسيا غير تابع لها إداريا يعبر عن إرادتها السياسية وهي الصيغة المعلنة حاليا.
3- أن تدعم حزبا قام بعض أفرادها بإنشائه وأن تترك المنافسة السياسية تماما.
طبيعة الخيار الأول -وإن كان من حق الجماعة- يصعب تكيفه وتعايشه مع الواقع الإخواني وعلى الأخص الشبابي منه، وكذلك مع طبيعة العمل الحزبي المفتوح؛ فمن غير المقبول أن يأتي أي رمز إسلامي مستقل لينتظر أوامرا من قيادة الجماعة توجه حركته، ولن يقبل الأفراد الذين انضموا للحزب من خارج الجماعة ألا يكون لهم دور، وقد يُدفع هذا الطرح باعتبار أن المنضم يعرف كيفية إدارة الحزب، وهذه دعوى مردودة على صاحبها فالفرد الذي يعرف هذا نظريا لن يقبله بعد المعاينة التطبيقية يقينا فليس الخبر كالعيان، خصوصا مع طبيعة الجماعة التي تبدو فيها مسحة مركزية واضحة، أضف لهذا أن تجربة الحزب إذا ما كانت خالصة لأفراد الجماعة دون غيرهم لن يكون لها تنوع أو تطور واضح لانعدام التدافع الفكري وحتى في جزئية تبادل الخبرات للوصول إلى الغايات عبر الوسائل، وهذه حالة ستثير سخطا واسعا -فيما أحسب- بين شباب الجماعة أولا والمهتمين أو القريبين من العمل السياسي بداخلها ثانيا، إذًا وضْعٌ كهذا يحكم على التجربة الحزبية بالفشل قبل أن تبدأ.
أما الطرح الحالي فيقع في دائرة ثلاثية الاحتمالات: أن يبقى ويستمر وينجح وهذا ما نتمناه جميعا، أو أن يشتد فيه خلاف غير معلن صراحة يسفر عن تَنَحٍ هادئ لأحد التيارين المختلفيْن، أو أن يتفجر ليخرج من عباءته حزب أو أكثر وهو أشد ما نخشاه.
الاحتمال الأول: البقاء والاستمرارية، وهو كقسيميْه متعلق بالممارسات الديموقراطية داخل الحزب ومدى تحققها في الممارسة الحقيقية.
أما الاحتمالان الآخران فمتعلقان بمخالفة ما أُعلن صراحة من استقلالية الحزب؛ فيفاجأ المنضم بأن هناك تبعية للجماعة، وتلك تتجلى في صور كثيرة، أبرزها أن يقال “هذا القرار -الذي يتم التشاور حوله في الحزب- مخالف لقرار الجماعة ولا نستطيع أن نوافق عليه أو أن نصدره”، أما الصورة الأدنى والأقل في حدتها أن يتبع التواجد الإخواني داخل الحزب- وهذا التواجد الكبير منطقي بالمناسبة خصوصا في مراحله الأولى- أقول أن يتبعه توجيه لأفراد الجماعة بداخل الحزب أن يصوتوا باتجاه قرار معين، الأمر الذي يمكن إدراكه فيتبعه شعور بعدم القدرة على الاستقلالية في اتخاذ القرار وكونِ الحزب -الذي يفترض في قراراته أن تعبر عن رؤية أعضائه- ذراعا من أذرع الجماعة لاغير وهو ما يُعد استخفافا غير مقبول بالعقول.
تلك الصورة من صور الديكتاتورية الناعمة قد تُدفع بأن الآلية التي تم اتخاذ القرار بها لا عيب فيها إذ أنها تمت بالتصويت، ومن لوازم الديموقراطية انصياع الأقلية للأغلبية، ونقول في هذا أن الديموقراطية لازمة إذا بُنِيَت على مطلق قناعات المستفتين لا توجيههم؛ إذ أنه التفاف واضح عليها، وتصرف كهذا يعبر عن عدم القدرة على قراءة الواقع النفسي السياسي للمجتمع الآن، خصوصا مع ترسخ تلك الأفكار عن ديكتاتورية الجماعة -بغض النظر عن صدق الكلام أو خطئه- في عقول العديد من أفراد المجتمع.
أما إذا كانت تلك قناعات المصوتين حقيقة ودونما توجيه، حينها لايُعتد بقول وثورة من رفض توافق رؤية الحزب مع الجماعة، إذ أنه يكون حينها متحامل أو مفرط في حساسيته من تأثير قرار الجماعة على الحزب ويراجع في مدى قبوله للديموقراطية كمبدأ حاكم للقرارات، أو قبوله لها في مواضع وترْكها في أُخَر.
انعدام الاستقلالية “المحتملة” تبدو بصورة صارخة في التصريح الذي صدر عن المرشد العام: “بأنه لا يجوز لأعضاء الجماعة إنشاء أو المشاركة في حزب غير الحرية والعدالة” فإذا كان الاختيار “التنافسي” السياسي مبدأيا فيه حجر على الأفراد فكيف يكون الحال مع الواقع التطبيقي بداخل الحزب، وكيف بي إذا ما رأيت أن الصورة المثلى للدعوة لدين الله وتمكينه عند حزب العمل أو الوسط أو ما يستجد من أحزاب ذات نفس المرجعية، فكيف أُمنع من هذا البلاغ والبيان الأمثل من وجهة نظري، نحن آمنا بالإخوان كفكرة عامة لكن التفاصيل والفرعيات لابد أن نختلف فيها فهذا من سنن البشر في اجتماعهم، من حق الحزب أن يصدر قرار كهذا فهذا مما لا خلاف فيه، ولكن عدم قبوله أنه صدر من الجماعة فالأمر أشبه من إلزامي فيها أن أتَّبِع مذهبا دون غيره ولو اتبعت غيره عُوقبت ولربما فُصلت، هذا التصريح الذي لم يعرض على مجلس الشورى العام -بحسب أحد أعضائه- مدفوع بانعدام تحقق المؤسسية فيه إلى أن يظهر عكس ذلك، وإذا ترسخ هذا الأمر في نفوس الأفراد فأزعم أن هذا من دُسُرِ نعش الحزب الذي لايزال جنينا.
الناتج النهائي لعدم الاستقلالية بشقيها الناعم والأشد خشونة أحد القسمين الأخيرين السابق ذكرهما: إما تنازع غير معلن يتبعه تنحٍ هادئ للفريق الذي خالف جوهر الديموقراطية، وأعني بالهادئ استقالة هذا الطرف من العملية الإدارية لا من الحزب كُلِّية، الثاني تفجر للوضع -لا قدر الله- فيخرج حزب أو أكثر من رحم الحزب الأساسي، وهو ما لا أرضاه لجماعة عشت في كنفها لأعوام عديدة، فمثل هذا الانقسام الحاد يأخذ الكثير من رصيد الجماعة ويقوض أركان نجاح الحزب لفترة ليست قصيرة نسأل الله السلامة.
الطرح الثالث والأخير في المسألة الحزبية ” دعم حزب قام أفراد من الجماعة بإنشائه مع ترك الجماعة للمنافسة السياسية”.
وفي تصوري أن هذا الطرح هو الأمثل، إذ أنه من الصعب في الحقيقة أن تقوم الجماعة بإنشاء حزب، وأن تدعمه بأفرادها وتجهز له المقرات وتقوم بتحمل التكاليف المادية، ثم بعد ذلك يُقال لها أو تقول: “لا شأن للجماعة بالحزب” الأمر الآخر أن تصرفات الحزب -عندما تنشئه الجماعة- تؤخذ على الجماعة الأمر الذي يدفعها للسيطرة بدرجة ما -صغرت أو كبرت- على القرار السياسي للحزب وذلك مرفوض كما أسلفنا، فكان من الأسلم أن يتحرك رموز من الجماعة لإنشاء حزب وتدعمه الجماعة انتخابيا، فنخرج بهذا مما أسلفت من مشاكل وأضيف معهم تردد الكثيرين -على الأقل الآن- من الانخراط في تجمع يحمل اسم الإخوان.
اليوم وقد بلغت الجماعة ثلاثا وثمانين عاما ينبغي عليها أن تضع تاريخها نصب عينيها حتى تؤسس لحاضر ومستقبل يليق بحجمها وجهادها من أجل رفعة وحرية الوطن، ولن يكون هذا إلا إذا تركت المساحة لأفرادها ولمن آمن بفكرها -فانتظم حزبيا- ليتحركوا فيما لا يمسُّ أصول الفكرة مساسا ظاهرا للعيان لا مُتوَقَّعا، فآفة المستبد حسن النية الوساوس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شريف أيمن
24-3-2011
1- أن تنشأ حزبا سياسيا تابعا لها إداريا ليكون معبرا عن إرادتها السياسية وهو ما نفته الجماعة.
هذا أفضل اداريا من أن يحدث تضارب فى المواقف
2- أن تنشأ حزبا سياسيا غير تابع لها إداريا يعبر عن إرادتها السياسية وهي الصيغة المعلنة حاليا.
لابد من حدوث تضارب فى الاراء
3- أن تدعم حزبا قام بعض أفرادها بإنشائه وأن تترك المنافسة السياسية تماما.
مقبول وأعتقد انه افضل الحلول
تعليق بواسطة محمد — 25/03/2011 @ 10:41 |
مع كامل احترامي
أود أن أبدأ بهذه الكلمة الخجولة المحترمة لأصف ما فهمته من ورقتك في ظاهرها والتي تحمل في طياتها سكينا تذبح بها الجماعة، هذا ما أردتَه أولا عندما تنحي الجماعة التي لها جهد وجهاد وخبرة السنين ثم تطلب منها أن تدعم وليدها ماديا، وإن خالفها في أمر ليس لها حق الاعتراض عليه، ما الفائدة من هذا ؟ ألدعم العملية الحزبية لكثرة عددها؟
أرى أن الجماعة بما فرضته تاريخ كما أسلفت طوال الثمانين عاما من جهاد وصبر على الأذى من حكام مستبدين لها حق الاختيار وفي كيفية الممارسة السياسية منها وغيرها خاصة بعد انكشاف الغمة وعودة الحريات، ولا يحق لأحد أن يطلب عزلها ,وإن كان كما سميته: “سيثير سخطًا واسعًا” فنحن في تدافع فكري وأيدولوجي ولكل آلياته التي يستخدمها والرهان على الشعب لا في عقول النخب والمثقفين بعدما ثبت بالدليل القاطع في الاستفتاء الأخير أنهم بعيدون كل البعد عن الشارع المصري، فمع كامل احترامي هذه رؤيتك أو رؤية بعض الشباب معك ليست معصومة من الزلل، وللجماعة رؤيتها التي يعبر عنها مرشدها مع مكتبه ومستشاريه، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأتمنى أن يظل الحوار قائما بدلا من أي وسائل للضغط على الرأي العام
تعليق بواسطة محمد الباشا — 25/03/2011 @ 18:54 |
الامر يحتاج الى عمق اكثر في التناول ولعل كل احتماع يحمل اكثر مما اوردت من الفوائد والاضرار واعتقد ان نقطة الانطلاق الواجبة تكون من الجمع بين الوضع القانوني والممارسة السياسية وليس الفصل بين الامرين في النقاش فهم وجهان لعملة واحده في ظنى وهو عائق اما الطرح الراجح لديك وكذلك كيف تضمن الا تخرج تلك الاحزاب التي تدعمها الجماعة عن خطها العام المحدد والا فلماذا تدعمها
يحتاج الامر الى نقاش اكثر وتناول اخر ربما يكون لك ثواب السبق في طرحه للنقاش
تعليق بواسطة salah — 27/03/2011 @ 12:13 |