خد حقك

07/02/2011

مشاهد من يوميات ثائر

Filed under: تدويناتي — شريف أيمن @ 19:54

أردت بهذه المشاهد إبراز بعضا مما يحدث بداخل ميدان العزة والكرامة.. ميدان “شهداء التحرير” حتى يعلم من لم يشارك الوضع بالميدان ومدى ارتفاع الروح المعنوية لدى المعتصمين وقدرتهم على البقاء حتى تتحقق مطالبهم.

نبدأ من أول بوابات التفتيش -وقد جعلها المعتصمون ثلاثة على الأقل عند كل منفذ من منافذ الميدان- في البداية يطلب المعتصمون منك إبراز إثبات الشخصية حتى لا يدخل أفراد من الداخلية بيننا فيفسدوا الجو العام، ثم بعد ذلك يتم التفتيش مع ابتسامة حرج واعتذار رقيق “ده أمان ليك ولينا” ويمنع دخول أي نوع من السلاح أو حتى العصي، ما أن تدخل تجد صفا من عدة أفراد يصفقون لك بحماس وينشدون ” أهلا أهلا بالثوار.. مرحب مرحب بالأحرار” وبعضهم يرحب قائلا “حمدا لله على سلامتك” ثم بعد ذلك تدخل إلى الميدان فتجد مصر كلها هناك المنتقبة وغيرها، الملتحي وغيره، العالِم وغيره، الفنان وغيره، الداعية وغيره، مصر كلها بالميدان.

تبدأ التجول فتجد مواقف كثيرة لدرجة أنها تجمع متناقضات كثيرة ولكن أبرزها مظاهر السخرية من النظام ورأسه منها:

الهتافات المحببة لقلوب أغلب المعتصمين:

“الشعب يريد إسقاط النظام”

” مش هنمشي.. هو يمشي”

“ارحل بقى يا عم.. خلي عندك دم”

وفي أثناء الاشتباكات يعلو هتاف ” الله أكبر” وعند أي تحرك من الجيش “الجيش والشعب إيد واحدة” وعند الحديث عن الوحدة للمعتصمين أو الوحدة الوطنية “إيد واحدة”

أما هتافات السخرية من الرئيس -الذي نعده سابقا- “حالو يا حالو.. مبارك شعبه حالو” وآخر حرفه ليصبح أكثر طرافة مما جعلنا نضحك ولا نقدر على الهتاف “حالو يا حالو.. مبارك شعبه شلّو”، وأيضا “ارحل يعني امشي.. ياللي مبتفهمشي”، “كلموه عبري.. مبيفهمش عربي”.

أما ما يرفعه المتظاهرون فلا يختلف كثيرا منها:

كاريكاتير للملك عبدالله  ينظر لساعته ويقول: “والله اتأخرت”

وأخرى: “ارحل بقى ايدي وجعتني”، “ارحل بقى عايز أستحمى”، وأحد المتزوجين كتب: “ارحل مراتي وحشتني”.

المُشاهد للمتظاهرين يجد لهم تقاليع مختلفة فمثلا أحدهم وضع شاربا يشبه الزعيم النازي هتلر وكتب “هتلر انتحر.. you can do it” وهو يقصد أنك أنت أيضا تستطيع، وآخر كتب ورقة كبيرة في بداية الاعتصام استشعارا منه لتجاهل الرئيس مطالب المتظاهرين وكأنهم لا يعنوه هو بحديثهم “قصدي انت يا غبي”.

ثم هناك مشاهد أخرى منها بالطبع المستشفيات الميدانية -ست مستشفيات على الأقل- لمداواة الجرحى أولا ثم الآن لعلاج المرضى من نزلات البرد وآلام الأسنان وغير ذلك، بجوار إحدى المستشفيات تم تعليق سرج لحصان وغيره مما أُخذ من يوم الأربعاء الدامي وعُلقت لافتة مكتوب عليها: “غنائم موقعة الحجش”، وعند أكوام القمامة تجد مكتوبا عليها “مقر الحزب الوطني”، “اتبرع للحزب”.

الباعة الجائلون نفسهم يسخرون من التليفزيون المصري فمن يبيع سندوتشات الفول والمش يدعون المعتصمين لشراء وجبة كنتاكي بدولار واحد.

وهناك فرق تغني مع بعضها، وأخرى ترسم اللافتات وعلى الوجوه، بالإضافة للكتابة على الأرض بالحجارة كلمات كـ: ” غور، ارحل، go out” وركن آخر للأمانات لمن ضاع منه مال أو هاتف نقال أو مفاتيح.

الحديث مع المعتصمين له شجون آخر تستشعر منه روحا غير السخرية مطلقا، ترى روح التحدي والإصرار الشديدين اللذين لا يبدو أنه هناك من يقدر على هزيمتهم، أحدهم يقول” مش هنمشي غير لما هو يمشي أنا لما أروح وأقابل إخواتي الي استشهدوا دول هقولهم إيه؟”، وآخر يقول “رغم البرد ده إحنا قاعدين مش هنمشي من هنا لحد ما نجيب حق إخواتنا ونمشيه” يقصد مبارك، وآخر يقول مازحا: “مشكلة مبارك إنه تنّح مع شعب تِنِح” هو بالطبع لا يقصد شتيمة الشعب المناضل بقدر ما يقصد بيان الإصرار حتى أن أحد الهتافات المشابهة التي لم أسمع أولها يقول لمبارك: “……. إحنا أرخم من الرخامة”.

أثناء حديثنا أمام بعض الحطب المشتعل ليقلل من حدة البرد حدث اشتباه في تحرك من بعض البلطجية فانتفض الجميع ليقف في الصفوف غير آبهين بما قد يلاقوه إذ أن الرغبة في الحفاظ على الاعتصام أصبح أقرب للحفاظ على مسكن الأسرة والذي بدونه يصبحوا في العراء، حتى أن الجيش بهيبته عندما أراد التحرك ليقلل مساحة الاعتصام نام الناس أمام الدبابات وبين جنازيرها غير آبهين أو عابئين بما قد يجدوا، وكذلك عندما أطلق الجيش الرصاص بالأمس هرعنا جريا اتجاه الرصاص لا في عكسه، لم نخش الوفاة حينها بل خشينا على إخوتنا الصامدون أمام الدبابات، ثم تبين بعد ذلك أن ظننا بالجيش لم يخِبْ ولكن الشاهد أننا أقدمنا على الرصاص ولم نكن نعلم طبيعته.

في المساء مع اشتداد البرد وبقاء من بقي للمبيت نجد الروح المعنوية في أوجها، فتلهب الأناشيد الحماسية الوطنية المشاعر ليقوم الناس بالهتاف والرقص استشعارا لطعم الحرية لا مجونا، حتى أنك تجد الملتحي وهو يردد الأغنية مع إخوته “حلوة يا بلدي” وأغاني كصورة وبسم الله الله أكبر حتى أنني استشعرت أن حليم مازال مطرب الثورة رغم رحيله، وجدت الفاضلة بثينة كامل بين الواقفين تطوف بيننا الساعة الثانية أو الثالثة فجرا تردد معنا الأغاني، فأقبلت عليها قائلا” هانت يا أستاذة بثينة” فصافحتني وقلنا بنفس واحد “هذه الروح المعنوية لا يمكن أن يهزمها أحد”.

بعض المرابطين على الثغور يلهبون حماسهم ويرفعون حرارة الجو في مثل هذا الوقت ببعض الجري بالمكان والهتاف ضد النظام، ثم صعد أحدهم على الأكتاف ليغني “سنة حلوة يا عميل.. سنة حلوة يا عميل.. 30 سنة في السلطة.. والنهارده يوم الرحيل” ليعلو الصوت تكرار “والنهارده يوم الرحيل”

عندما يحين وقت الصلاة تجد منظرا مهيبا للميدان في سلوك ينم عن استشعار المتظاهرين للمسئولية والالتزام وارتباطهم بالله فهو وحده المعين لإتمام النصر.

ملاحظات على الهامش:

تواجد السلفيين والإسلاميين ملحوظ وفي المقابل لم نسمع عن اعتداء على أحد من غير المسلمين أو الفتيات أو الفتية الغير الملتزمين، ولم نسمع من يجبر أحدا على الصلاة أو غيرها من المناسك بل أن إحدى المتظاهرات المسيحيين وجدت أخا لها مسلما يسجد على الأرض فخلعت شالا كانت تضعه على كتفها لتضعه أمامه حتى لا يسجد على الأرض، الميدان جسد بحق الوحدة الوطنية وجسد مصر كلها على حقيقتها من مشاعر التكافل والمحبة بيننا.

تواجد النساء والفتيات في المبيت كبير وأيضا لم نسمع عن حالة تحرش أو حتى معاكسة بنظرة أو تلفظ مما يؤكد أن مصر إذا اتفقت على هدف تغير حالها للأحسن قطعا.

أحزنني بالأمس أن يوم الشهداء كان أغلبه منطويا على الأغاني رغم أنه كان ينبغي أن يكون يوم حداد مراعاة لمشاعر أهالي الشهداء واعتصر الحزن قلبي لأم أمسكت بورقة عليها صور الشهداء ولم تتوقف عن البكاء حتى أن بعض الشباب كان يقبل يدها.

أخيرا عند الرحيل تجد الواقفون يسألونك ليطمئنوا عليك “كلت وجبة كنتاكي وأخدت الـ50 يورو ولا مخدتهاش” ثم يودعونك بنفس الابتسامة الرقيقة قائلين لك “مستنيينك ترجع لنا بالسلامة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريف أيمن

7-2-2011

تعليقات »

  1. يبدو ان كانت ولادة حقيقية جديدة لهذا الشعب العملاق … ويبدو ان كل محاولة للنيل مع آمال هذا الشعب العظيم ستبوء بالفشل .. هانت لم يتبق الا القليل والنصر صبر ساعة .. حقيقة بالبرغم اني لم اتخلف يوما عن الميدان الا انك عبرت عن تلك المشاهد تعبيرا تحركت له نفسي .. رائع ان تكتب بقلبك لا بقلمك .

    تعليق بواسطة محمد عقيل — 10/02/2011 @ 12:09 | رد

  2. جزاك الله خير و الله كأنك تصور الموقف بلريشه لا بالقلم نسأل الله أن يجعله فى ميزان حسناتك

    تعليق بواسطة بن طارق — 17/02/2011 @ 09:21 | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Theme: Rubric. المدونة لدى WordPress.com.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.