خد حقك

07/01/2011

تفجير الكنيسة والعلمانيون

Filed under: تدويناتي — شريف أيمن @ 13:42

ليس هناك ما هو أسوأ من المتاجرة بأحزان ومصائب الناس خصوصا إذا تعلق الأمر بمأساة كالتي نراها وحدثت منذ أيام للأمة المصرية كلها؛ فالتفجير الذي حدث لكنيسة القديسين هز وجدان النخبة المصرية كلها ولا أزعم اهتزاز وجدان المجتمع بما يكفي ليتضامن مع أفراد منه ثُكلوا بمصيبة عظيمة نظرا لحالة الاحتقان؛ فالأمر في أحسن الأحوال بعض الألم والضيق سرعان ما ذهبا وأعقبهما ترحم على أيام لم يكن للمسيحيين فيها صوت، بل والأنكى شماتة لا أقول فرحا بل شماتة أصابت أفرادا كثيرين، ولكن هذا لا ينافي أن النخب من كل التيارات السياسية والدينية تأذت من المصيبة بما فيها التيار السلفي.

هذا التأذي يبدو أنه لم يلامس شغاف المشاعر في بعض الأوساط العلمانية، بل كان الحادث فرصة لهم ليرموا الإسلام أو الإسلاميين -خوفا من انفعالات المجتمع على دعاواهم- بأنهم أصل البلاء وأن أزمة المجتمع لن تحل إلا “بالدولة المدنية الصريحة” كما زعم أحدهم، وهو يعني الدولة العلمانية الصريحة التي ينحى مفهوم الدين فيها جانبا، ولكن الخشية من هذه المجاهرة دفعته وغيره لهذا المداراة، فأصبحت أحزان القوم فرصة للمتاجرة بقضية فشل تسويقها لعقود طويلة بين المجتمع المصري المرتبط بهويته وثقافته المستمدة من محيطه العربي الإسلامي.

القضية ليست في الخطاب المتشدد من الطرفين بالأساس وعلى الأخص الخطاب الديني إذ أنه هو المتهم الجاهز للزج به في كل قضية، فطبيعة الفكر أنه في مقابلة غيره تكون دائما الغلبة للأنقى والأطهر، القضية في الاستبداد السياسي أولا قبل كل شيء، وفي الممارسات الرسمية الخاطئة من مؤسسات أي الطرفين، ثم بعد ذلك تتعدد وتتشعب الأسباب الفرعية، ولا يصح أو يليق بأحد أن يستخف بعقولنا فيزعم ويستبق الأحداث والتحقيقات ليدّعي طائفية الحدث، نعم من الوارد أن يكون طائفيا وحينها ينبغي أن تراعى أسباب تفاقم هذا الوضع وهو مرتكز في قسم كبير منه على الممارسة الرسمية لأحد الفريقين وغياب دور الدولة في استعار الأزمات، ولكن احتمالية انعدام الطائفية للحدث واردة وبشدة؛ فالإشارة للموساد لم تخفت وكذلك ما ذكره محافظ كفر الشيخ تلميحا لوجود أصابع صهيوأمريكية أمر هام خصوصا لوروده على لسان أحد رموز الدولة، وغيرهما ما أشار إليه الدكتور حسن نافعة في مقاله “التطرف القبطي”، إذًا إلقاء الاتهام على الإسلام وعلى المادة الثانية وعلى البرامج الدينية وعلى خطب الجمع وعلى الفتاوى والنصوص الدينية، فيه من دناءة الطبع ما يخجل من ذكره أصحاب المروءات.

هذه الازدواجية العلمانية أمر يثير الغثيان فمن أين تقوم الدنيا لاتجاه أحد الأفراد للمحاكم رفضا لفكر يناقض ثوابت المجتمع وأحيانا الدين، رغم أن المتضرر لجأ للقضاء أي لأحد مؤسسات الدولة -بغض النظر عن قبول الفعل وما يليه مما سأسرد من أحوال وأفعال أو عدمه- وأبجديات الدولة المدنية توجب الالتزام بأحكام القضاء، وتشتد الفجيعة إذا صدر حكم يخالف الهوى كما حدث مع الراحل د. نصر أبو زيد مع أن الحكم صدر من أعلى درجتين من درجات التقاضي “الاستئناف والنقض”، في المقابل يطالب النظام ويُستعدى على القنوات الإسلامية لبثها الكراهية والتخلف، وكذلك إذا دعا أحد للحجاب أو الاحتشام في المظهر تسن الأقلام لتقرِّع وتنتقد هذا الرجل، أما إذا اعترض أحد على مشهد جنسي في أحد الأفلام أو قصيدة فيها انتقاص أو ازدراء للدين ثارت الثوائر على الرجعي الذي يريد الرجوع بنا للوراء ثم تأتي الدعوة أنه لا حاكمية للقيم على الفن والإبداع، والأهم أنه إذا قام أحدهم بانتقاص الدين وقام في المقابل أحد الدعاة أو القساوسة منتقدا لأي الدينين ثاروا لعظم الفعلة والمصيبة، وكأن انتقاص الدين حق أصيل لهم دون غيرهم.

أزمتنا أن طبيعة المجتمع أصبحت رافضة لأي تعايش بين شريكي الوطن بل بين أفراده وبعضهم وكذلك بين أهل الطائفة الواحدة إذا اختلفت الملل، وهو نتاج الاستبداد والتضييق على الفكر الإسلامي ليتحرك بين المجتمع في النور، لا الفكر الإقصائي الذي يتحرك في الظلام؛ فعلمانية الدولة جعلت دعاة السلم والوسط مغلولي الأيدي في التواصل بين الناس خشية من استشعار المجتمع لصحيح الدين الرافض للاستبداد والظلم فينقلب عليه فضيقت عليهم حركتهم ليظهر قوم انتحلوا فهم الدين ونسبوا فهمه لهم وحدهم وحدث ماحدث من احتقان طائفي ضاعف منه احتجاز نساء في الكنائس والأديرة حتى وإن لم يكن أسلمن فالظاهر من الأمر أنهن أسلمن وهناك من حجر على رغبتهن وإرادتهن ووقفت الدولة عاجزة أو هكذا بدت ليتفاقم الوضع.

تكمن الأزمة في استشعار أحد الطرفين أنه مضطهد والآخر أنه لا يقدر على إرغام الدولة كما يظن أن الآخر استطاع، تكمن الأزمة في المشاعر التي يربى عليها الأطفال في المنازل من عدم مصاحبة المغاير للدين ، تكمن الأزمة في استشعار المواطن أنه فقد كل شيء كرامته ومروءته ولم يبق له إلا دينه ليستمسك به، تكمن الأزمة في المساس برموز أي من الطرفين مع زعمي بأنه لم يحدث وليس من الممكن أن يحاول أحد ضرب رأس الكنيسة المصرية كما حدث مع رمز الإسلام في العالم لا مصر وحدها ولو حدث لاشتعلت الكنيسة ولأشعلت نفوس رعاياها، تكمن الأزمة في وضع الحل بيد الأمن ليزيد من المتاريس حول الكنائس ومع كل زيادة يزداد احتقان الطرفين، هذا لشعوره بأن غيره مميز عنه والآخر لشعوره بعدم الأمان، تكمن الأزمة في اتجاه قسم كبير من التعازي لرأس الكنيسة لا الدولة في تعمد لزيادة الانقسام الشعوري للطرفين من جانب، أو جهلا من المعزي لاستشعاره أن المصيبة طائفية لا وطنية.

الأزمة متعددة ومتشعبة ولابد من مصارحة حقيقية تجعل المسيحي يتقبل التهنئة من أخيه بسعادة لاهتمامه به وبِعِيدِه لا أن ينظر إليه متوجسا وظانّا أنه ينافقه لأي اعتبار كان، ثم الآن بدأنا نسمع بين الأطفال في المدارس أن قرناءهم من غير المسلمين يقولون لهم “أليس عيدكم يوم الجمعة فانتظروا ما سيحدث”، لقد امتلأت الصدور بالغضب والكراهية ولئن أراد أحدهم أن يشعل الفتنة لاستطاع في لحظات قليلة أن يعد أفرادا من أي الطرفين بالجنة مقابل أن يزهق أرواح بعض المغايرين لدينه.

لم يعد أمامنا سوى أن نوقن بأن ترك المساحة لنشر التعاليم الصحيحة لأتباع الدينين هو الحل الوحيد، الأزمة ليست متعلقة بادعاءات العلمانيين الفرعية على أصل الأزمة، بل متعلقة باستشعار كل فرد أنه ممسك وقابض ومرابط على ثغور دينه فإذا ما فهم أن فعله مناف لتعاليم الدين لتغير الحال قطعا.

*بعد كتابة هذا المقال علمت أن أحد الإسلاميين استشهد جراء التعذيب في مقر أمن الدولة بالاسكندرية وهذان هما رابطا الخبر:

http://dostor.org/crime/11/january/7/34585

http://dostor.org/politics/egypt/11/january/7/34590

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريف أيمن

7-1-2011

تعليقات »

  1. تكمن الأزمة في اتجاه قسم كبير من التعازي لرأس الكنيسة لا الدولة في تعمد لزيادة الانقسام الشعوري للطرفين من جانب، أو جهلا من المعزي لاستشعاره أن المصيبة طائفية لا وطنية.
    اظن هذا تصور منطقي جدا جداوهذا بالفعل ما يحدث مع كل فجعيه ومصيبه فيجب علينا ان نركز على هذا الجانب ونعطي له الضوء كي ينتشر هذاالمفهوم ويسري بين وجداننا ونتعايش مع القضيه على انها قضيه وطنيه وليست طائفيه وأغلب من يتكلم في وسائل الاعلام المقروءه والمسموعه يتحدث بهذه اللهجه العنصريه العدائيه التي تفتت وتمزق نسيج الوطن وماحدث ما احتقان وغضب وعداونيه مع رمز الاسلام والمسلمين نتيجه طبيعيه من اعقاب هذه التصريحات والتبريرات التي نشاهدها ونسمع عنها كل يوم

    تعليق بواسطة salma — 08/01/2011 @ 14:10 | رد

  2. أنا أوافقك فيما تقول وينبغي على العقلاء والمفكرين أن يبحثوا عن المستفيد كما يفعل رجال البحث الجنائي عند قتل أحد الأشخاص مثل من يقتل ليرث فيمنعه الشرع والقانون من الميراث استنادًا لقاعدة لا ميراث لقاتل وإذا بحثنا وراء الجريمة نجدأن الحكومةالمصرية هي أكبر مستفيد من أحداث تفجير كنيسة القديسين لأنها غطت وأطاحت بالحملات الموجهة ضدها بعد فضيحة التزوير في الانتخابات والحديث عن البرلمان الشعبي وحكومة الظل وإن لم تكن هي وراء ذلك فهي شريكة بسبب تسيبها الأمني، فيجب ألا تستفيد من فعلها كما قال الشرع والقانون.

    تعليق بواسطة محمد الباشا — 13/01/2011 @ 11:09 | رد


خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Theme: Rubric. المدونة لدى WordPress.com.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.