أما وقد اعتزلت الحياة الحزبية مع إبقائي لحضور الهم السياسي، فقد تخففت من حِمْل الموازنات اللفظية والمواءمات مع باقي إخواني من التيارات الوطنية، واعتزال الأحزاب لا يعني عدم الاشتباك السياسي أو النصح، ولكل منهما درجته في الموقف والعبارة.
الثورة بشكلها الحالي في مصر -على وجه الخصوص- وفي العالم العربي قدمت رسالة هامة لما يسمى “بالنخب”* -هكذا بين قوسين لعدم دقة اللفظ- إذ أنها كما صرخت في وجه الظلم صرخت في وجه القوى السياسية، إلا أن الأول كان لديه من حُمرة الخجل ما جعله يستجيب فانصرف والأُخَر لم تلامس حمرته وجوههم فانبروا لركوب المشهد رغم تكرار المجتمع إنزاله لهم منه، وأرسل رسالته في غير مرة أنه “لا أمل فيكم ولا نرضى بكم لقيادتنا“؛ فلم يستطع أي تيار أن يحشد الشارع من قبل ليخرج وراءه، ولم يستطع تيار أن يقود المشهد بعد بدء الانتفاضة، ولم يستطع تيار أن يقدم حلولا يلتف حولها الجميع لاعتمادها إما على رؤية ضيقة لتياره أو لعدم جديتها، لم يستطع تيار أن يقدم ذلك منفردا ولم تستطع كل القوى مجتمعة.
كان البسطاء الحالمون بحياة أفضل من تصدروا الاشتباك حتى من بين المسيسيين كانوا المتصدرين، فهم الذين ذاقوا مرارة الظلم أكثر من غيرهم -لا وحدهم قطعا- فلما قامت الثورة شعروا أن كدر الحياة قارب للصفو، اندفعوا بأرواحهم وأجسادهم أملا في حياة كريمة أو ارتقاء الروح عزيزة، فتراجع الجميع إلا هم واشتبكوا وصمدوا ثم ذهب ما يسمون “بالنخبة” ليشتبكوا في الإعلام أو على المنابر مع النظام الذي أهلكه المجتمع لا هم، لم يكتف ما يسمون “بالنخبة” بذلك الأداء الهزلي بل جاءت منها جماعة تدعي الحكمة تدعوا المجتمع لترك الميدان إلا أن الرد كان حاضرا: “لن نرحل حتى يرحل رأس النظام” وتلك رسالة ثانية منه لهم “لا رأي لكم بيننا فنحن من يقرر“.
ما أن تحقق للمجتمع مبتغاه تعددت الدعوات للخروج بكثافة فلم يخرج إلا للاحتفال في أول جمعة بعد الرحيل وخرج ثانية لانقاذ الثورة، وإن كانت الثانية ليست كأي يوم من الثمانية عشر، وتلك رسالة ثالثة، “أننا لسنا مثلكم حركات مطلبية، لقد تحقق الرحيل فابدأوا في وضع البرامج لإدارة البلد ونحن سنجتهد بقدر ما نستطيع في عمليات التجميل للشوارع والأحياء وهذا جهدنا المجتمعي الذي لم ننتظر أحدا منكم ليدعونا له فانصرفوا لجهدكم السياسي“، ولكنها رسالة كغيرها لم تلق آذانا.
ولما كان الاستفتاء خرج الشارع بكثافة غير معهودة ليوصل رسالة أخرى بعد الحشد الإعلامي والطائفي “أننا لا نصدق أيا منكم ولم نصوت اقتناعا بدفعكم لنا الذي اعتمد على مصلحة كل منكم في شكل الدولة بل صوتنا لما نجده صوابا في نظرنا لا نظركم“، وتلك الرسالة من أوضح ما أرسل حتى أنها أشبهت الصفعة للغافل، إلا أنه انتقل من كونه غافلا إلى مغفل، فاتَّهَمَ المجتمع بالجهل والأمية -على غير الحقيقة- ونسي أنه لولا هذا المجتمع لما كان لمثله أن يتكلم بمثل هذه الحرية، ثم انبرت أغلب قطاعات ما يسمى “بالنخبة” لتدعوا لاهدار رأي المجتمع -الصافِع- وأن يكون رأيها هو الصواب لنستبدل فرعونا بفراعين شعارهم كشعاره “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.
أما الرسالة الخامسة فهي متعلقة بجدل الدين والعلمانية فلا توجد حادثة كان الدين طرفا فيها إلا وغلب الجنوح إليه، يحتاج الأمر للتهذيب أحيانا إلا أن السمة العامة للمجتمع تقول “نحن مجتمع متدين لن نقبل بعلمانية لا جزئية ولا شاملة، وكذلك لن نقبل بحكم متشدد دينيا فنحن منارة الوسطية وشامتها على امتداد العالم الإسلامي“.
آخر الرسائل “الآنية” أنه رغم كل حالات الاستقطاب السياسية الشديدة إلا أن هناك تجانسا مجتمعيا شديدا محمودا، فذلك الاستقطاب الذي أدى لانقسام لم ينل من الجماعة المصرية في شيء وإن نال من ما يسمون “بالنخبة السياسية” وبعض الدوائر المحيطة بهم ليؤكد الشارع تجاهله لما يحدث ويمضي عاملا في صمت حتى يأتي وقت الانتخاب فيقول كيف يريد أن يرى بلده، فالرسالة “نحن في المجتمع إخوة وأحباب نختلف لرؤية مصر أفضل وفق أي رؤية وطنية أخلاقية، أما أنتم فكل منكم يزعم أن مصر لن تكون أفضل إلا برؤيته هو ولم تدركوا بعد أنها أكبر منكم كلكم“.
تلك الرسائل تؤكد بوضوح أن المجتمع يقول بملء فيه أننا لا نثق بكم ولا نأتمنكم على القيادة، لكن غِشاوَة الكِبْر أعمت الأعين وَوَقْر الغرور صم الآذان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحديث ليس عن كل النخبة بل عن أغلب المتصدرين صحفيا وإعلاميا.

